الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

23

تفسير روح البيان

فرأيت في منامي جواري معهن طشوت من ذهب وأباريق من فضة يغسلن أرجل المشاة فبقيت انا فقالت إحداهن لصواحبها أليس هذا منهم قلن هذا له محمل فقالت بلى هو منهم لأنه أحب المشي معهم فغسلن رجلي فذهب عنى كل تعب كنت أجده هذه حال من مشى مع ولى باعتقاد صحيح فكيف مع نبي فلو ان كفار مكة ومشركي العرب استمعوا إلى النبي عليه السلام واتبعوا الذكر الذي انزل اليه لنجوا وأسقطوا كل حمل عن ظهورهم ومشوا إلى جنة الفردوس لكن اللّه تعالى يهدى من يشاء وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا على حذف المضاف اى ما اعمال الدنيا اى الأعمال المتعلقة بها من حيث هي هي إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يلهى الناس ويشغلهم بمنفعته الزائلة عن الايمان والعمل الصالح المؤدى إلى اللذة الدائمة واللعب عما يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ التي هي محل الحياة الأخرى خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي لان منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير منغصة بالآلام مستمرة على الدوام أَ فَلا تَعْقِلُونَ الفاء للعطف على مقدر اى أتغفلون فلا تعقلون أي الامرين خير . وسميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة أو لدناءتها . وسميت الآخرة بالآخر لتأخرها عن خلقها وانما جعل اللّه الآخرة غائبة عن الابصار لأنها لو كانت حاضرة لما جحدوها ولارتفعت التكاليف والمحن فجعل ما على الأرض زينة للابتلاء وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك قال أهل التحقيق السماوات والأرضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل في حد الدنيا . واما العرش والكرسي وما يتعلق بهما من الأعمال الصالحة والأرواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حد الآخرة وفي الخبر القدسي لما خلق اللّه الدنيا خاطبها بقوله ( يا دنيا اخدمي من خدمنى وأتعبي من خدمك ) ولهذا كانت الدنيا تجيىء لبعض أوليائه وتكنس داره في صورة العجوز ولبعض أوليائه تجيىء كل يوم برغيف فان قلت إن اللّه تعالى خلق هذه الدنيا للمؤمن فلم امر بالزهد فيها قلت السكر إذا نثر على رأس الختن لا يلتقطه لعلو همته ولو التقطه لكان عيبا وفي الحديث ( جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس ) والضيف إذا كان حكيما لا يشبع من الطعام رجاء الحلواء - حكى - ان قاضيا من أهل بغداد كان مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخانى وهو يهودي في صورة جهنمى كأن القطران يقطر من جوانبه فأخذ بلجام بغلة القاضي فقال أيد اللّه القاضي ما معنى قول نبيكم ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) أما ترى ان الدنيا جنة لك وأنت مؤمن محمدي والدنيا سجن لي وانا كافر يهودي والحديث دلالته بالعكس فأجاب القاضي وكان من فضلاء الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن لي بالنسبة إلى ما وعد اللّه في الجنة وجنة لك بالنسبة إلى الدركات المعودة في النيران قيل مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له امرأتان ان ارضى إحداهما أسخط الأخرى واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الآخرة والغموم والخطايا والذنوب وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم أفطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر اللّه تعالى نه عمر خضر بماند نه ملك إسكندر * نزاع بر سر دنياي دون مكن درويش